استدعاءات في جيب الملك
يا واهبنا السعد والوعد

يا واهبنا السعد والوعد

المملكة اليوم - 

غطيت صحفيا جولات كثيرة لجلالة الملك، وفي شهر واحد قبل سنين تم جمع خمسة وأربعين ألف استدعاء من مواطنين وضعت في «شوالات» خلال ثلاث زيارات متتالية إلى ثلاث مناطق في فترات متقاربة.


معها عشرات آلاف الاستدعاءات انهمرت خلال زيارات الملك إلى المدن والقرى والبوادي والمخيمات، وقد بات ذلك نمطاً شعبياً يعبرعن شعور الناس بالخذلان وعدم وجود حلول لمشاكلهم من جهة أخرى.


البارحة كان جلالة الملك في الشمال في مناطق الوسطية والطيبة وكفر أسد، وقصة الاستدعاءات تتكرر وتروي الكثير عن أحوال الناس لأن الناس لدينا يعبرون عن مشاكلهم من خلال الوسائل القديمة الجديدة التي تكشف كم في البلد من غياب للعدالة؟!


لا يعيب الأردني أن يتقدم بطلبه برسالة أو استدعاء، وهذا يؤكد لك كم هي أبواب المسؤولين مغلقة وقضايا الناس معلقة، والإنسان لم يعد يحل مشكلته لاعبر التعليمات ولا القوانين، ولاعبرالاتصال بالمسؤولين، وبات بانتظار الملك شخصياً حتى يأتي الى منطقته.


مناطق فاتنة وزراعية وأهلها طيبون وموالون للدولة ويعرفون حجم المخاطر، وترى بأم عينيك كيف يحبون الملك دون نفاق أو تملق، لكنك تأخذ تفكر بأحوال الناس حين تنهمر الاستدعاءات مثل المطر على التشريفات والحرس الملكي ومن وصل إلى ذات الملك.


أمامي مشهدان لشابين قفزا بسرعة هائلة وبطريقة مربكة ومخيفة ومباغتة، وحاول كل واحد منهما على حدة الوصول إلى الملك للسلام عليه، رغم وجوده في بيت الشعر ووجود الحراسات، ولولا طلب الملك تركهما يأتيان إليه لذهبت مظلمتهما أدراج الرياح.


مشهد فيه رفق ملكي بالناس وفيه أيضاً شعور من الملك بأنه في مأمن بين أهله، فلا خوف من شابين قفزا بسرعة ولا خوف من غدر أحد، فهذا شعب ليس من شيمته الخيانة، ولو كنا تحت ظل نظام دموي لتم قتل الشابين في المتر الأول لقفزتهما المفاجئة باتجاه الحاكم.


أما الاستدعاءات فهي طريقة تركية موروثة في ثقافتنا، لكنها من جهة أخرى تعبرعن أحوال الناس: فمنهم من يريد وظيفة، ومنهم من يريد مساعدة مالية، ومنهم من تريد منحة جامعية، وذاك يريد عفواً خاصاً، وآخر يريد سداد قرض، وآخرون يريدون ويريدون!!


لابد من تشكيل لجنة لدراسة فكرة الاستدعاءات ودوافعها لمعرفة أين الخلل في النظام العام، ولماذا يضطر المواطن للجوء للاستدعاء، ولماذا لا يتكفل النظام العام والتعليمات والقانون بحل مشاكل الناس بدلا من اضطرارهم لكتابة الاستدعاءات للملك شخصياً ؟!.


مع هذا فإن وضع البلد يجعل التعليمات والقوانين والأشخاص بلا قدرة على حل المشاكل، فأغلب المشاكل ذات طابع مالي سواء أكانت منحة جامعية أو مطالبة بوظيفة مدنية أو عسكرية، وهي تعبر عن المأزق الاقتصادي والاجتماعي الذي نعيشه.


علينا أن نعترف من جهة أخرى أن سوء أداء المسؤولين لدينا من درجات مختلفة جعل المواطن ينتظر زيارة الملك مثل الغمام ليستسقي منها، لأن المسؤولين لدينا لا يحلون أغلب المشاكل لا وفقاً للتعليمات ولا وفقا لباب الابتكار أوالاجتهاد فوق ضيق الأفق.


يلبي الملك طلبات الآلاف عادة، والمستور في هذا المجال من استجابة الملك للناس رافعاً عنهم التعب والمشقة أضعاف المعلن، فهو بيت اعتاد الناس أن يطرقوا أبوابه غير أنها قصة بحاجة لمعالجة جذرية وعميقة تعيد إنتاج هذا المشهد.


لا بد أن نصل الى مرحلة يتكفل فيها النظام العام أو التعليمات بحل مشاكل الناس دون أن يضطروا للجوء للمرجعية الأكبر لوضع استدعاء في يده ودون أن يضطر هو للشعور بأسف عميق تأثراً بأحوال أهله.


السر في الحلقة الوسيطة أي: التعليمات والقوانين والمسؤولون الحكوميون، وهؤلاء جميعاً مدعوون للخروج من نومة أهل الكهف من أجل الناس لأننا كل عام نكتشف زيادة بعدد الاستدعاءات وارتفاع منسوب الأنين الشعبي وكأننا لم نساعد احداً!!


متوسط الاستدعاءات التي يتم جمعها خلال الزيارات الملكية كل عام قد يتجاوز ربع مليون استدعاء، ومن حق الناس مخاطبة مليكهم، لكنها قصة ُمربكة ومؤلمة تثير الأسئلة عن الأغلبية التي لا تتمكن من الوصول الى موقع مناسبة وتقديم استدعاء.


يطالبون لأنهم يشعرون بالظلم، وُيلبي طلباتهم لأنه يؤمن بالعدل، وما بين ذلك يبقى السؤال حول أولئك الذين لا يصلون إلى صاحب القرار.


بقلم: ماهر أبو طير

2012-05-03

تعليقات القراء


أضف تعليقا

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق*
تتم مراجعة كافة التعليقات، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط، ويحتفظ موقع 'المملكة اليوم ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان، ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح، علما بان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .